إيساف في مرآة عيد ميلاده.. حين يحتفل النجم ببقائه، لا بعدد سنواته

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

ليس كل احتفال بعيد الميلاد احتفاءً بالعمر، فبعض الأعياد تبدو وكأنها محاولة لاستعادة المعنى، وطرح سؤال أكثر عمقًا من سؤال الزمن: ماذا تبقّى من الحلم حين يصبح صاحبه نجمًا؟

في عيد ميلاد إيساف، لا يبدو المشهد مجرد مناسبة تتزيّن فيها الصور بالابتسامات، وتتقاطع فيها التهاني مع الأمنيات، بل فرصة للتأمل في علاقة الفنان بنجوميته، وفي المسافة الشائكة بين ما يراه الجمهور وما يعيشه الفنان بعيدًا عن الأضواء. فثمة مفارقة تستحق التوقف أمامها: قد يحتفل الإنسان بعام جديد من حياته، بينما يظل الفن في حاجة إلى عام جديد من الدهشة.

إيساف، الذي ارتبط اسمه في ذاكرة قطاع من الجمهور بتجربة غنائية صنعت لنفسها حضورًا خاصًا، يقف في هذه المناسبة أمام سؤال لا تجيب عنه كعكة عيد الميلاد، ولا تحسمه كثافة الحضور أو عدد الرسائل: هل تكفي النجومية لكي يظل الفنان حاضرًا في الوجدان، أم أن الحضور الحقيقي يحتاج إلى ما هو أبعد من الشهرة؟

فالنجومية، في جوهرها، ليست امتلاك الضوء، بل القدرة على صناعة سبب يجعله يستمر. إنها ليست صورة تُنشر، ولا تصفيقًا يُسمع، ولا احتفالًا يمرّ ثم تنطفئ أنواره؛ إنها علاقة معقّدة بين الفنان وذاكرة الناس، علاقة لا يحكمها الماضي وحده، ولا تضمنها لحظة نجاح سابقة. فالجمهور، مهما بدا وفيًّا، لا يتوقف عن إعادة اكتشاف ذائقته، والزمن لا يمنح أحدًا حصانة دائمة من النسيان.

وهنا تحديدًا تكمن القيمة النقدية لأي احتفاء بفنان؛ إذ لا ينبغي أن يتحول عيد الميلاد إلى مناسبة للمجاملة المطلقة، كما لا ينبغي أن يصبح النقد ذريعة لإنكار ما تركه الفنان من أثر. الإنصاف الحقيقي هو أن نحتفل بالإنسان من دون أن نعفي التجربة من الأسئلة، وأن نحترم التاريخ من دون أن نسمح له بأن يتحول إلى بديل عن الحاضر.

الفنان لا يعيش على رصيد الذكريات إلى الأبد؛ فالذاكرة تمنحه مكانًا، لكن الإبداع وحده يمنحه القدرة على تجديد هذا المكان.

ومن منظور فلسفي، يحمل عيد الميلاد مفارقة الزمن نفسه: نحن نحتفل بأننا تقدمنا عامًا، بينما نحاول في أعماقنا مقاومة فكرة أن كل شيء يمضي. والفنان أكثر حساسية لهذه المفارقة من غيره؛ لأن عمره لا يُقاس بالسنوات وحدها، بل بالأغنيات التي بقيت، والتجارب التي نضجت، واللحظات التي استطاع فيها أن يقول شيئًا جديدًا يشبهه ولا يكرر صورته القديمة.

ولعل التحدي الأكبر أمام إيساف، كما أمام أي فنان يريد أن يحافظ على قيمة حضوره، ليس أن يثبت أنه كان نجمًا، بل أن يمنح نجوميته معنى متجددًا. فالساحة الفنية لا ترحم التكرار طويلًا، والجمهور الذي صنع ذاكرته مع فنان قد يكون أول من يطالبه بالتغيير، لا لأنه تنكّر للماضي، بل لأنه يريد أن يرى هذا الماضي قادرًا على إنجاب مستقبل مختلف.

لكن من الظلم أيضًا اختزال الفنان في معادلة النجاح التجاري أو الحضور الإعلامي. فليست كل قيمة قابلة للقياس بالأرقام، وليست كل تجربة فنية تُختصر في ترتيب أو انتشار. ثمة أثر هادئ تصنعه أغنية في حياة شخص، وحنين تربطه ذاكرة بلحن، ومكانة لا تظهر بالضرورة في صخب اللحظة. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي ضرورة التطور؛ فالفن الذي يحترم جمهوره هو الذي يثق بقدرته على مفاجأته.

أما الاحتفال نفسه، فله دلالة تتجاوز مظاهره حين يصبح مساحة يلتقي فيها الفنان بالناس الذين شاركوه رحلته، لا بوصفهم جمهورًا يصفق فحسب، بل بوصفهم جزءًا من الحكاية التي صنعت حضوره. عندها لا تعود الصور مجرد توثيق لمناسبة عابرة، بل شهادة على أن النجومية، مهما بدا صاحبها في مركز المشهد، لا تُصنع في عزلة كاملة؛ إنها تنمو في المسافة بين صوت يخرج من الفنان ووجدان يجد فيه شيئًا من نفسه.

ومع ذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يُمنح لفنان في عيد ميلاده ليس المديح الذي يطمئنه إلى ما حققه، بل التمنّي الصادق بأن يظل قادرًا على تجاوز ما حققه. فالتقدير الذي لا يترك مساحة للطموح قد يتحول، من حيث لا يقصد، إلى إقامة دائمة في الماضي. أما المحبة الحقيقية، فهي التي تقول للفنان: نحتفي بما كنت، وننتظر بشغف ما يمكن أن تصبح عليه.

في عيد ميلاد إيساف، لا تكمن الحكاية في إضافة سنة إلى العمر، بل في إمكانية إضافة معنى إلى الرحلة. فالأعوام لا تصنع القيمة تلقائيًا، والشهرة لا تمنح الخلود، والاحتفال مهما كان براقًا يظل لحظة تنتهي. الذي يبقى هو ما ينجح الفنان في تركه خلفه، وما يستطيع أن يضيفه إلى تجربته، وما يجعل حضوره جديرًا بأن يُستعاد لا من باب الحنين وحده، بل من باب الاكتشاف أيضًا.

كل عام وإيساف أقرب إلى فنه، وأكثر جرأة في اختياراته، وأقدر على تحويل نجوميته من صورة يعرفها الجمهور إلى تجربة فنية تستحق أن يكتشفها من جديد.


كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير