منى زكي في «طالع نازل»… حين لا تنكسر المرأة من الخيانة، بل من اكتشاف أنها كانت تعيش حياة لا تعرف حقيقتها

{title}
همزة وصل   -

القاهرة:مريم عوض 
ثمة خيبات لا تأتي لتأخذ منا شخصًا نحبّه، بل تأتي لتأخذ منا النسخة التي كنّاها ونحن نحبّه؛ تلك النسخة التي كانت تنام مطمئنة، وتمنح ثقتها دون أن تراجع كل تفصيلة، وتعيش أيامها وهي تظن أن العالم، على قسوته، لا يزال يحتفظ لها بمساحة آمنة واحدة على الأقل. وحين تنكشف الحقيقة، لا يكون الألم في أن شخصًا آخر قد خان العهد فحسب، بل في أن الإنسان يُجبر فجأة على الوقوف أمام حياته القديمة وكأنها حياة شخص غريب، يتأمل ذكرياته، ويعيد تفسير ضحكاته، ويشك في اللحظات التي ظنها صادقة، ويسأل نفسه سؤالًا لا يقل قسوة عن الخيانة ذاتها: كيف استطعت أن أعيش كل هذا الوقت دون أن أعرف ما يحدث في حياتي؟
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة في «طالع نازل»، وهنا تصبح منى زكي، من خلال شخصية نورا، أمام مساحة تتجاوز حدود الأداء العاطفي التقليدي؛ مساحة تتعلق بالإنسان حين يُنتزع منه يقينه، لا حين يُنتزع منه حبيبه فقط. فالخيانة ليست دائمًا نهاية علاقة، بل قد تكون بداية انهيار العلاقة التي تربط الإنسان بنفسه، لأن المرء حين يكتشف أن شخصًا وثق به استطاع أن يخفي عنه حياة كاملة، لا يعود السؤال متعلقًا بصدق الآخر وحده، بل بقدرته هو على قراءة العالم، وبثقته في حدسه، وبالمعاني التي منحها لكل ما عاشه. إن الخيانة، في أكثر صورها عمقًا، لا تقول لك إن الآخر كان كاذبًا فحسب، بل تجعلك تتساءل إن كنت قد كنت صادقًا مع نفسك حين صدّقته.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في نورا أنها ليست امرأة تنتظر من الحياة أن تمنحها قيمة، ولا شخصية يمكن اختزالها في كونها زوجة تعرضت للغدر؛ إنها امرأة لها حضورها المهني، واستقلالها، وقدرتها على الفعل، ومع ذلك تجد نفسها أمام حقيقة لا تستطيع خبرتها في الحياة أن تحميها منها. وهذه هي المفارقة الإنسانية التي كثيرًا ما نتجاهلها: أن الذكاء لا يمنحنا مناعة ضد الخذلان، وأن القوة لا تعني القدرة على اكتشاف كل شيء، وأن المرأة التي تستطيع أن تدير عملًا وتواجه العالم وتتحمل مسؤولياتها قد تعجز، أمام شخص أحبته، عن رؤية ما لم تكن مستعدة نفسيًا لتصديقه. ليس لأن عقلها أقل من أن يفهم، بل لأن القلب، حين يتعلق بشخص، لا يكتفي بمعرفة الحقيقة؛ إنه يريد أحيانًا أن تكون الحقيقة أقل قسوة مما هي عليه.
ومن هنا يصبح السؤال عن نورا أعمق من السؤال عن قدرتها على الانتقام: ماذا يحدث للإنسان حين يكتشف أن أكثر الأماكن التي شعر فيها بالأمان كانت أكثر الأماكن التي لم يكن يعرف فيها الحقيقة كاملة؟ إننا لا نحب الآخرين وحدهم، بل نحب أنفسنا أيضًا كما نكون في حضرتهم؛ نحب الطمأنينة التي يمنحوننا إياها، والثقة التي نشعر بها، والصورة التي نرى أنفسنا من خلالها. وحين يخوننا أحدهم، فإننا لا نفقده وحده، بل نفقد أحيانًا ذلك الجزء من أنفسنا الذي كان يعيش مطمئنًا إلى وجوده. لذلك قد يكون أصعب ما في الخيانة أن يشتاق الإنسان إلى راحته القديمة، حتى وهو يعرف أن العودة إلى الشخص الذي منحه تلك الراحة قد تعني العودة إلى الكذبة التي دمّرته.
وهنا تكمن مأساة لا تستطيع النصائح الجاهزة أن تفهمها؛ فالناس يطالبون المجروح بأن يرحل، وأن يستعيد كرامته، وأن يغلق الباب، وكأن المشاعر مفاتيح نضعها في جيوبنا متى شئنا، وكأن سنوات العشرة يمكن محوها بقرار، وكأن القلب حين يكتشف الخيانة يتوقف فورًا عن الحب. لكن الإنسان ليس بهذه البساطة. قد يكره من آذاه، ثم يشتاق إليه، وقد يعرف أنه لا يستطيع الوثوق به، ثم يتمنى لو عاد الزمن إلى لحظة لم يكن يعرف فيها شيئًا، وقد يرفض الغفران بينما يتألم لأنه لم يعد قادرًا على استعادة ما كان. وليس في هذا بالضرورة ضعف أو تناقض أخلاقي، بل هو دليل على أن المشاعر لا تتلقى الأوامر نفسها التي يتلقاها العقل، وأن التحرر من شخص قد يستغرق وقتًا أطول بكثير من اتخاذ قرار الرحيل عنه.
إن المأساة ليست أن تحب شخصًا لم يستحق حبك، بل أن تضطر إلى دفن المستقبل الذي بنيته في خيالك معه. فالإنسان لا يعيش في الحاضر وحده؛ إنه يعيش أيضًا في الوعود التي صدّقها، والأيام التي تخيلها، والشيخوخة التي ربما رسم ملامحها إلى جوار شخص بعينه، والذكريات التي لم تحدث بعد، لكنه أحبها قبل أن تأتي. وحين تنهار العلاقة، لا يرحل الماضي وحده، بل يموت مستقبل كامل لم يولد، وتجد النفس نفسها في حداد على أشياء لم تحدث أصلًا، لكنها كانت حقيقية في وجدانها إلى الحد الذي يجعل فقدانها مؤلمًا كأنها حدثت بالفعل. وهذا ما يجعل بعض النهايات قاسية إلى درجة أن الإنسان لا يعرف ما الذي يبكيه تحديدًا: الشخص الذي خسره، أم العمر الذي تخيله معه، أم نفسه التي كانت تصدق أن كل ذلك سيحدث.
لكن الفن لا يبلغ ذروته حين يجعلنا نبكي على المظلوم، بل حين يجعلنا نفكر في المنطقة التي لا يستطيع البكاء وحده أن يفسرها. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأكثر خطورة في رحلة نورا ليس ما إذا كانت ستنتقم، بل ماذا سيبقى منها بعد الانتقام، إن حدث؟ فالانتقام يبدو في بدايته استردادًا للسيطرة؛ حين تُسلب منك الحقيقة، تحاول أن تصنعها، وحين تُسلب منك القدرة على الاختيار، تبحث عن موقف يعيد إليك شعورك بأنك ما زلت قادرًا على التأثير. لكن الانتقام يحمل داخله فخًا خفيًا: قد يمنحك شعورًا مؤقتًا بالقوة، بينما يربط حياتك كلها بالشخص الذي أردت التحرر منه. يصبح حاضرًا في قراراتك، وفي حساباتك، وفي أفكارك، وحتى في اللحظات التي تظن فيها أنك نسيت وجوده؛ لأنك ما زلت تقيس خطواتك بمقدار ما ستؤلمه، لا بمقدار ما ستنقذك.
وهنا نصل إلى واحدة من أقسى الحقائق التي يمكن أن تكشفها الدراما: ليس كل انتصار خلاصًا، وليس كل هزيمة نهاية. قد ينتقم الإنسان ويظل أسيرًا، وقد يغادر العلاقة وهو يحمل ندوبها، لكنه يكون قد بدأ بالفعل في استعادة نفسه. فالخلاص لا يعني أن يصبح الماضي عادلًا، ولا أن يعترف الآخر بحجم الأذى الذي سببه، ولا أن تأتي الحياة باعتذار متأخر يعيد كل شيء إلى مكانه. الخلاص، في معناه الأكثر صعوبة، أن تتوقف عن انتظار الشخص الذي جرحك كي يمنحك الإذن بالشفاء، وأن تدرك أن اعترافه قد يكون مهمًا، لكنه ليس الشرط الوحيد لاستعادة حياتك، وأنه ربما لن يفهم يومًا ما فعله بك، ومع ذلك لا ينبغي أن يصبح عجزه عن الفهم سجنًا أبديًا لك.
والأشد إيلامًا أن الإنسان قد يقضي سنوات في انتظار اعتذار لا يأتي، لا لأنه يحتاج إلى الكلمات وحدها، بل لأنه يريد من الشخص الذي آذاه أن يعترف بأن ألمه كان حقيقيًا، وأن ما حدث لم يكن تفصيلًا عابرًا في حياة أحدهما، بينما كان انهيارًا في حياة الآخر. إنه يريد أن يسمع: نعم، لقد فعلت بك شيئًا لا يليق بك، ونعم، كنت تستحق أن تعرف الحقيقة، ونعم، لم يكن من حقّي أن أجعلك تعيش داخل واقع لم أخبرك بحقيقته. لكن الحياة لا تضمن لنا هذه العدالة، وبعض الأشخاص يرحلون دون أن يعترفوا، وبعضهم يبرر أفعاله حتى النهاية، وبعضهم يواصل حياته كأن شيئًا لم يحدث، تاركًا من آذاهم في مواجهة مهمة شاقة: أن يلتئموا دون أن يحصلوا على الاعتراف الذي كانوا ينتظرونه.
ومن هنا يمكن فهم نورا بوصفها أكثر من امرأة تواجه خيانة زوجية؛ إنها صورة للإنسان حين يضطر إلى الاختيار بين أن يظل وفيًا لجرحه، وأن يصبح وفيًا لحياته. والفرق بين الاثنين هائل؛ فالوفاء للجرح يعني أن تمنحه حق تحديد من تكون، وأن تظل تعود إليه لتثبت لنفسك أنك لم تنسَ، وأن تجعل كل قرار جديد ردًا على قرار قديم. أما الوفاء للحياة فيعني ألا تنكر ما حدث، وألا تمنح الإساءة اسمًا أجمل مما تستحق، لكنك ترفض أيضًا أن تتحول إلى نسخة دائمة من أسوأ يوم مررت به. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يسامح كي يكون ناضجًا، ولا أن ينسى كي يكون قويًا، ولا أن يبتسم كي يثبت أنه تعافى؛ يكفي أحيانًا أن يتوقف عن السماح للماضي بأن يقرر كل ما سيأتي.
أما منى زكي، فإن قيمة حضورها في هذه المنطقة من الحكاية لا تُقاس بكمية الدموع أو حدة الانفعال، بل بقدرتها على الاقتراب من التناقض الذي يجعل الإنسان إنسانًا: أن يبدو متماسكًا بينما يتداعى داخله شيء لا يعرف كيف يسميه، وأن يغضب لأنه جُرح، وأن يحزن لأنه لا يزال يحمل بقايا حب، وأن يرغب في استرداد كرامته من دون أن يكون متأكدًا مما إذا كان الانتقام سيمنحه ذلك فعلًا. إن الشخصية المقنعة ليست التي تمنحنا إجابات سهلة، بل التي تجعلنا نرى كيف يمكن للإنسان أن يعرف الحقيقة ويظل عاجزًا عن التكيف معها، وأن يمتلك أسباب الرحيل كلها بينما يحتاج إلى وقت طويل كي يستطيع الرحيل من الداخل.
والنقد هنا يقتضي ألا نخلط بين قدرة الممثلة على تجسيد الاضطراب النفسي وبين نجاح العمل في بناء هذا الاضطراب دراميًا؛ فالألم وحده ليس عمقًا، والخيانة وحدها ليست فلسفة، والانتقام وحده لا يصنع شخصية مركبة. العمق الحقيقي يظهر حين تمنح الكتابة الشخصية دوافع متماسكة، وتسمح لتحولاتها بأن تنمو من داخل التجربة، لا أن تقفز من انفعال إلى آخر لمجرد صناعة المفاجأة. وتظل قيمة الأداء مرتبطة بقدرته على جعل هذه التحولات محسوسة ومقنعة، بينما يظل نجاح العمل ككل مرهونًا بقدرته على تحويل المأساة الخاصة إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود الحكاية.
وثمة وجه آخر للمسألة يتعلق بالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى المرأة المجروحة؛ فالمجتمع الذي يطالب المرأة بالاستقلال قد يطالبها أيضًا بألا تظهر احتياجها، والذي يمدح قوتها قد يعاقبها حين ترى نفسها ضعيفة، والذي يشجعها على حفظ كرامتها قد يلومها إذا ترددت أمام علاقة لم تعد تثق بها. كأن المرأة مطالبة بأن تكون بشرًا كاملًا حين تنجح، وأن تصبح رمزًا أخلاقيًا حين تتألم، وألا تسمح لنفسها بأي تناقض يمكن أن يكشف أنها ليست بطلة خارقة، بل إنسانة تخاف وتشتاق وتغضب وتخطئ وتحاول أن تفهم ما حدث لها.
لكن المرأة ليست مطالبة بأن تجعل ألمها جميلًا كي يستحق الاحترام، ولا بأن تحول خيبتها إلى انتصار ملهم كي يرضى عنها الآخرون. يحق لها أن تتألم دون أن تكون قد فشلت، وأن تتردد دون أن تكون قد فقدت كرامتها، وأن تحتاج إلى وقت لا يفهمه الآخرون، وأن تعترف بأنها لا تزال تحب شخصًا لم يعد صالحًا لأن يكون شريكًا لحياتها. فالكرامة ليست غياب الاحتياج، والقوة ليست غياب الدموع، والنضج ليس أن نخرج من كل تجربة بقرارات مثالية؛ بل أن نتعلم، بقدر ما نستطيع، ألا نضيف إلى جراحنا قسوة الأحكام التي نصدرها على أنفسنا.
ولعل العنوان «طالع نازل» يحمل، في قراءته الأعمق، مفارقة تتجاوز تقلبات المصير: نحن لا نصعد دائمًا حين ننجح، ولا نهبط بالضرورة حين نخسر. قد يرتفع الإنسان في أعين الجميع بينما يبتعد عن نفسه، وقد يفقد ما ظن أنه لا يستطيع الحياة من دونه، ثم يكتشف ببطء أن حياته لم تنتهِ، وأنه لم يكن محتاجًا إلى استعادة الماضي بقدر ما كان محتاجًا إلى اكتشاف نفسه خارجه. ليست الحياة سلّمًا نرتقيه حتى نبلغ حالة نهائية من الاطمئنان، بل حركة لا تكف عن كشف هشاشتنا، وتذكيرنا بأننا لا نملك ضمانات كاملة، وأن الأشياء التي نحبها قد تتغير، وأن الأشخاص الذين نثق بهم قد يخيبوننا، لكن هذه الحقائق لا تعني أن الحب كان خطأ، ولا أن الثقة كانت سذاجة، ولا أن قدرتنا على البدء من جديد قد انتهت.
وربما تكون أكثر الأفكار إيلامًا في حكاية نورا أن الإنسان قد يخسر شخصًا، ثم يخسر نفسه وهو يحاول استعادته، وقد يُخدع مرة، ثم يقضي بقية عمره يعاقب ذاته على أنها صدّقت، وكأن ذنب الضحية أنها لم تتوقع الخيانة. لكن الثقة ليست جريمة، والحب ليس إدانة، وحسن الظن ليس عيبًا لمجرد أن أحدهم استغله. الخطأ الأخلاقي يقع على من اختار الخداع، لا على من عاش العلاقة بصدق، وإن كان على الإنسان بعد انكشاف الحقيقة أن يتعلم كيف يحمي نفسه دون أن يتحول إلى شخص لا يستطيع أن يطمئن إلى أحد. فليس التعافي أن نخرج من التجربة ونحن نكره العالم كله، بل أن نتعلم كيف نراه بوضوح أكبر من دون أن نفقد قدرتنا على العيش فيه.
إن أصعب ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يسقط، بل أن يصدق بعد سقوطه أنه لم يعد يستحق الوقوف؛ وليس أن يُخدع، بل أن يسمح للخداع بأن يقنعه بأن كل ما قدمه من حب كان غباءً، وكل ما منحه من ثقة كان نقصًا في عقله، وكل ما عاشه من سعادة لم يكن سوى وهم. فالحقيقة أن ما فعله الآخر لا يعيد كتابة قيمة ما كنت عليه أنت، وأن نهاية علاقة لا تعني بالضرورة أن كل ما سبقها كان زائفًا، وأن الشخص الذي خذلك لا يملك الحق في أن يصبح المرجع الذي تقيس به قدرتك على الحب أو جدارتك به. قد تكون قد أخطأت في اختيار من وثقت به، لكن هذا لا يعني أنك أخطأت حين كنت إنسانًا قادرًا على الثقة.
وفي نهاية المطاف، لا أرى أن السؤال الأهم الذي تتركه نورا خلفها هو: هل ستنتصر؟ بل: أي نسخة من نفسها ستبقى بعد كل ما حدث؟ هل ستصبح امرأة لا تعرف إلا كيف ترد الأذى، فتظل أسيرة للحظة التي جُرحت فيها، أم ستتمكن يومًا من النظر إلى تلك اللحظة باعتبارها جزءًا من حياتها لا مركز حياتها كله؟ هل ستقضي عمرها في انتظار أن يندم الآخر، أم ستصل إلى نقطة تدرك فيها أن ندمه، إن جاء، لن يعيد إليها السنوات، وأن غيابه عن الندم لا يمنحها سببًا لتتوقف عن العيش؟
إن الانتصار الأكثر عمقًا ليس أن تجعل من كسرك مشهدًا يندم الآخر على مشاهدته، ولا أن تثبت للجميع أنك أقوى مما توقعوا، ولا أن تخرج من المأساة بلا دمعة أو ارتباك؛ بل أن تصل، بعد زمن طويل من الألم، إلى اللحظة التي تستطيع فيها أن تتذكر ما حدث دون أن تشعر بأنك مطالب بإعادة المعركة من جديد. أن تتذكر دون أن تعود، وأن تفهم دون أن تبرر، وأن ترفض دون أن تكره نفسك، وأن تستمر دون أن تضطر إلى الادعاء بأنك لم تتألم.
فربما لا تكون النجاة أن نعود كما كنّا قبل الخيانة، لأن بعض التجارب تغيّرنا إلى الأبد، وربما لا يكون التعافي أن ننسى، لأن بعض الذكريات لا تختفي مهما حاولنا، بل أن نصل إلى مرحلة لا تعود فيها الذاكرة قادرة على التحكم في حاضرنا، ولا يعود فيها الغائب قادرًا على مصادرة مستقبلنا. أن نعرف أن ما حدث كان قاسيًا، وأن ما فقدناه كان حقيقيًا، وأن بعض الأسئلة ستظل بلا إجابة، ومع ذلك نمنح الحياة فرصة أخرى، لا لأننا واثقون من أنها لن تؤلمنا، بل لأننا لا نريد للألم الذي سببه شخص واحد أن يحرمنا من كل ما يمكن أن تمنحه لنا الحياة.
وهنا، في المعنى الأعمق لـ«طالع نازل»، لا تكون المأساة أن تسقط نورا من مكان مرتفع، بل أن تضطر إلى اكتشاف أن قيمتها لم تكن يومًا في ذلك المكان، وأنها ليست المرأة التي أحبها زوجها، ولا المرأة التي خانها، ولا المرأة التي قد تنتقم منه؛ إنها الإنسان الذي سيبقى بعد أن تنتهي كل هذه التعريفات. فالآخر قد يخونك، وقد يكسر الصورة التي رسمتها لحياتك، وقد يأخذ معه مستقبلًا كنت تظنه مضمونًا، لكنه لا ينبغي أن يمتلك حق كتابة الفصل الأخير من حكايتك. لأن بعض الانتصارات لا تبدأ حين يسقط من آذاك، بل حين تتوقف أنت عن السقوط كلما تذكرته؛ وحين تدرك، أخيرًا، أن استعادة نفسك أهم من استعادة أي شخص، وأن الحياة التي انهارت أمامك ليست بالضرورة الحياة التي انتهت، وأنك تستطيع أن تحمل ندوبك دون أن تجعلها اسمك، وأن تحب الحياة مرة أخرى دون أن تعتذر للماضي، ودون أن تنتظر من أحد أن يمنحك الإذن بالنجاة.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير