همزة وصل -
القاهرة :مريم عوض
في زمن تتشابه فيه الأفكار التلفزيونية، تستعيد ندى بسيوني تجربة مختلفة صنعتها البساطة وذكاء التفاصيل، وتكشف كواليس ميلاد «عم بحر».. الشخصية النوبية التي تجاوزت حدود الفقرة الترفيهية لتصبح واحدة من الذكريات الخاصة في مشوارها الإعلامي.
ليس كل ما ينجح على الشاشة يُقاس بنسبة المشاهدة، وليس كل شخصية تلفزيونية تحتاج إلى سيناريو معقد كي تترك أثرًا. أحيانًا، تكفي فكرة خارج المألوف، وصوت يعرف كيف يمنحها الحياة، وكيمياء حقيقية خلف الكاميرا، لتصنع شخصية تظل حاضرة في الذاكرة بعد سنوات من ظهورها الأول.
هذا ما تكشفه حكاية الإعلامية ندى بسيوني مع «عم بحر»، الشخصية التي وُلدت خلال التحضير لبرنامج «حاجة حلوة»، حين اقترحت بسيوني على رئيس التحرير آنذاك، الأستاذ محمد علي هاشم، الاستعانة بعروسة تشاركها الحوار، مستلهمة تجارب تلفزيونية ارتبط بها الجمهور، مثل «كوكي كاك» و«كرنبة» و«بقلظ».
لكن الفكرة لم تتوقف عند استنساخ نموذج مألوف؛ إذ جاء اقتراح هاشم بتقديم رجل نوبي كبير في السن، يحمل اسم «عم بحر»، ليمنح التجربة هوية مختلفة، وشخصية لها ملامحها الخاصة وطريقتها في التعبير والتفاعل.
المفارقة اللافتة في الحكاية أن صاحب الفكرة لم يكتفِ بالوقوف خلفها، بل تولى بنفسه أداء صوت الشخصية وتحريكها، في تجربة تكشف كيف يمكن لتكامل الأدوار خلف الكاميرا أن يصنع حضورًا يتجاوز الإمكانات الإنتاجية المتاحة.
وبجلابيته النوبية وطاقيته المميزة، لم يكن «عم بحر» مجرد إضافة شكلية إلى البرنامج؛ فقد امتلك عالمًا خاصًا، يسافر بالطائرة، ويزور شرم الشيخ، ويلتقي المشاهير، ويطلق تعليقاته وقفشاته بطريقته النوبية المحببة، فيما كانت علاقته بندى بسيوني تتخذ طابعًا عفويًا، تختصره عبارته الشهيرة في مناداتها: «يا بسيونه يا عسل.. عمك بحر وصل».
لكن الجانب الأكثر دلالة في رواية بسيوني لا يتعلق بنجاح الشخصية داخل البرنامج بقدر ما يتعلق بما حدث بعدها.
فالإعلامية لا تزال تحتفظ بـ«عم بحر» في دولابها، وتخرجه من وقت إلى آخر، في استعادة شخصية لذكرى مهنية لم تفقد قيمتها بانتهاء عرض البرنامج. كما أعلنت نيتها اصطحابه معها في الجزء الثالث من «رحلة ندى»، لتفتح الباب أمام ظهور جديد يعيد الشخصية إلى المشهد، ولكن هذه المرة في سياق مختلف.
وهنا تبرز زاوية أخرى تتجاوز الحنين إلى الماضي: هل تستطيع الشخصيات التلفزيونية التي صنعت نجاحها في زمن مختلف أن تستعيد حضورها اليوم، أم أن قيمتها الحقيقية تكمن في الاحتفاظ بمكانها داخل الذاكرة؟
السؤال لا يتعلق بـ«عم بحر» وحده، بل بصناعة المحتوى عمومًا؛ ففي وقت تتسارع فيه المنصات وتتغير فيه أنماط المشاهدة، تبدو إعادة تقديم الشخصيات المحبوبة اختبارًا لمدى قدرة الفكرة الأصلية على التجدد دون فقدان هويتها. فالحنين قد يجذب الجمهور إلى البداية، لكنه وحده لا يضمن استمرار التأثير.
وحتى التفاصيل البسيطة في الحكاية تحمل دلالة رمزية؛ إذ تتساءل بسيوني عن الإبقاء على الجلابية النوبية الأصيلة التي اشتهرت بها الشخصية، أم اختيار ملابس عصرية تناسب مغامراتها الجديدة. قد يبدو الأمر تفصيلًا طريفًا، لكنه يطرح سؤالًا إبداعيًا حقيقيًا: كيف نجدد شخصية محبوبة دون أن نفقد ملامحها التي جعلتها مميزة منذ البداية؟
في النهاية، تعيد ندى بسيوني تسليط الضوء على تجربة تؤكد أن الذاكرة التلفزيونية ليست مجرد أرشيف لبرامج انتهت، بل مساحة قابلة لإعادة الاكتشاف، شرط أن يكون التجديد أكثر من مجرد استدعاء للماضي.
أما «عم بحر»، فيبدو أن حكايته لم تنتهِ بعد؛ فبعد سنوات من السفر بين استوديوهات التلفزيون وذاكرة صاحبته، يستعد لخوض رحلة جديدة، ويبقى السؤال: هل يعود كما عرفه الجمهور، أم يفاجئنا بإطلالة مختلفة؟
في كل الأحوال، يبدو أن «عم بحر» حصل على فرصة جديدة للظهور، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام أي عودة تلفزيونية هو تحويل الذكرى الجميلة إلى تجربة تستحق المشاهدة من جديد.



