تانيا قسيس: ليست كل النجوم بحاجة إلى إحداث ضجيج كي تُثبت أنها تضيء

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

في صناعةٍ تكاد تقيس قيمة الفنان بحجم الضجيج الذي يحيط به، يصبح الهدوء مخاطرة، والاتزان خروجاً عن قواعد اللعبة، والقدرة على لفت الانتباه من دون استجدائه امتيازاً لا يُمنح بسهولة. من هذه الزاوية تحديداً، تستحق تانيا قسيس قراءةً تتجاوز الإعجاب بصوتها، وتتجاوز الاحتفاء بنجاحها؛ قراءة لا تسأل كم وصلت، بل ماذا بقي منها وهي تصل.

تانيا قسيس ليست مجرد صوت لبناني يعبر إلى العالمية؛ إنها مناسبة لإعادة النظر في مفهوم النجومية نفسه. فليس كل من يملأ المشهد يترك أثراً، وليس كل من يفرض حضوره يمتلك بالضرورة ما يقوله. ثمة فرق جوهري بين أن تكون مرئياً وأن تكون جديراً بالانتباه، بين أن يسمعك الناس لأنك ترفع صوتك، وأن يصغوا إليك لأن في صوتك ما يستحق الإصغاء.

في صوت تانيا، لا تكمن المسألة في القدرة على الغناء وحدها، بل في العلاقة بين القوة والسيطرة، وبين التقنية والإحساس. فالصوت الكبير ليس ذلك الذي يستعرض إمكاناته حتى آخرها، بل الذي يعرف متى يطلقها ومتى يترك للصمت أن يكمل المعنى. هنا يصبح الأداء أكثر من استعراض للقدرة؛ يصبح اختباراً للذائقة، ولمدى قدرة الفنان على تحويل المهارة إلى تجربة شعورية لا تختزلها التصفيقات.

لكن النقد الجاد لا يكتفي بالانبهار، ولا يمنح الفنان حصانةً لأن تجربته لافتة. فالصوت، مهما بلغت قدراته، لا يعيش على جماله إلى الأبد؛ عليه أن يتجدد، وأن يخاطر، وأن يبتكر ما يمنع التميّز من التحول إلى منطقة آمنة. والتحدي الحقيقي أمام أي فنان يصل إلى مساحة عالمية ليس أن يثبت أنه قادر على الوصول، بل أن يجعل كل وصول بدايةً جديدة، لا إعادة إنتاج لنجاح سابق.

أما هدوء تانيا قسيس، فتنبع دلالته من عالم يكافئ المبالغة، ويخلط بين الحضور والاستعراض، وبين الثقة والترويج المستمر للذات. في هذا العالم، يبدو ضبط الإيقاع الشخصي نوعاً من الاستقلال عن قواعد السوق. غير أن الهدوء لا يصبح فضيلة لمجرد أنه هدوء؛ قيمته الحقيقية في أن يكون اختياراً واعياً، لا قناعاً، وأن يخفي وراءه عمقاً واستعداداً للمواجهة، لا اكتفاءً بصورة متزنة ومريحة.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة: قد يحتاج الفنان إلى شجاعة أكبر كي يبقى هادئاً من تلك التي يحتاجها كي يصرخ، لكنه يحتاج إلى شجاعة أكبر أيضاً كي يهدم صورته حين تصبح محبوبة أكثر مما ينبغي. فالنجاح، في أحد وجوهه الخفية، فخّ أنيق؛ إذ قد يتحول ما منح الفنان مكانته إلى ما يمنعه من المغامرة. ومن ثم، لا تُقاس قوة التجربة بما حققته فحسب، بل بما لا تزال مستعدة للمخاطرة به.

ولأنها لبنانية تخاطب فضاءً يتجاوز حدودها، فإن تجربة تانيا تفتح سؤال الهوية أيضاً: كيف يعبر الفنان إلى العالم من دون أن يتحول إلى نسخة قابلة للاستهلاك؟ العالمية ليست أن تتخلى عن خصوصيتك كي يفهمك الجميع، بل أن تمتلك من الخصوصية ما يجعل الآخرين راغبين في فهمك. فالفن الذي يذيب اختلافه طلباً للقبول قد يصل سريعاً، لكنه نادراً ما يترك أثراً عميقاً.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحول الهدوء إلى أسطورة، ولا النجاح إلى دليل نهائي على العظمة. تظل قيمة أي تجربة فنية رهناً بما تقدمه من تجديد، وبقدرتها على مفاجأة المتلقي، وبالمسافة التي تقطعها بين ما تتقنه وما تجرؤ على اكتشافه. ذلك هو المعيار الأصعب، والأكثر عدلاً، والأبعد عن المجاملة.

تانيا قسيس تستحق أن تُقرأ لا بوصفها نجمة ناجحة فحسب، بل بوصفها فنانة تطرح، من خلال صوتها وحضورها، سؤالاً عن شكل القوة في زمن الاستعراض. فالقوة ليست دائماً في احتلال المساحة الأكبر، بل أحياناً في امتلاك ما يكفي من الحضور كي لا تضطر إلى احتلالها كلها.

في النهاية، ليست المشكلة أن يعلو صوت الفنان، بل أن يضطر إلى رفعه كي يصدّق أنه مسموع. وليست البطولة أن تصل إلى العالم، بل أن تصل من دون أن تفقد حقك في أن تكون مختلفاً عنه.

فالنجومية قد تمنح الفنان الضوء، لكن الفن وحده يقرر إن كان هذا الضوء سيكشف شيئاً، أم سيكتفي بإبهار العيون.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير